السيد عباس علي الموسوي

230

شرح نهج البلاغة

( ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم ولا أريق لهم دم ) أراد توبيخهم والطعن فيهم بأنهم لو كانوا رجالا لدفعوا ودافعوا عنها ولكنها لا تملك قوة فكانت تسترجع تقول كما يقول المصاب « إِنّا للِهِّ وَإِنّا إلِيَهِْ راجِعُونَ » وتطلب منهم الرحمة لضعفها وجبروتهم ، لقد أخذوا ما وقع تحت أيديهم وغنموا ما لا قوة ثم عادوا إلى بلادهم محمّلين موفورين لم يصب أحد منهم بجرح ولم يسقط لهم قتيل . . صورة للفظاظة والقسوة التي مارسها جيش معاوية يقابلها صورة أخرى للمستضعف الذي لا ناصر له ولا معين . . ( فلو أن امرا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا . . ) أراد استنهاض همهم ودفعهم للثأر ورد الضربة بأن هذا الأمر الذي حدث لشدته وقوة وقعه لو مات المسلم حسرة وأسى من بعده لكان معذورا بل ترقى ليقول إن الموت بعده حقيق وأهل أن يموت الإنسان بعد هذا الحادث المؤلم الممضّ . . ( فيا عجبا اعجبا واللّه يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم ) فيا عجبا يثير عجبا إنه العجب واللّه الذي يميت القلب لا يدعه حيا نابضا متحركا ويجلب الهم والغم والحزن والذي يعمل كل ذلك هو اجتماع معاوية وقومه وائتلافهم على باطلهم الذي هم فيه حيث أنهم بغاة خارجون على الحكم الشرعي ، وتفرقكم وتشتتكم عن حقكم فلكم الحق ومعكم الحق ومع هذا في تشتت وفرقة وعدم وحدة كلمة أو موقف أو رأي . . . ( فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمي ) دعا عليهم بالسوء والحزن والهم والغم يصيبهم عندما تحولوا إلى هدف يرميه معاوية ويقصده في غزوه وغاراته . . ( يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ويعصى اللّه وترضون ) وهل هناك أقسى على القلب من أن يغير معاوية وجنده عليهم وهم لا يردون غارة أو يقابلونها بغارة مثلها تنزل بالأعداء الإساءة ، ويتوجه معاوية وجنده بغزوهم وأخذ أموالهم وهم لا يغزونهم ولا يردون غزوهم وكذلك يعصى اللّه عندما يشن معاوية غاراته ولا يدفعونها بل يرضون بها بسكوتهم عنها وعدم ردها بالقوة والقهر . . ( فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم : هذه حمّارة القيظ أمهلنا يسبّخ عنا الحر وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارة القرّ أمهلنا ينسلخ عنا البرد كل هذا فرارا من الحر والقر فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم واللّه من السيف أفر ) هكذا كانت حالة الإمام مع أهل العراق صورة ينقلها الإمام بدقة ويحكي واقعهم بل يحكي